دورات التصميم الكرافيكي من قبل وكالة قافية

فقد العالم الأسبوع الماضي أحد عمالقة الأدب الحديث، الكاتب الإسباني - البيروفي ماريو برقاس يوسا، الذي توفي في ليما عن عمرٍ يناهز التاسعة والثمانين عامًا. برحيله يُطوى فصل من أبرز فصول الأدب العالمي، واللاتيني على وجه التحديد، وهو فصل أعاد تشكيل المشهد الأدبي منذ ستينيّات القرن الماضي.

الاخبار

لم يكن يوسا مجرد روائيٍّ متفردٍ بأسلوبه وحنكته، بل كان نجمًا أدبيًّا وأيقونة ثقافية وعالمية. وعلى النقيض من الصورة النمطيّة للكاتب المنعزل في محرابه، عاش يوسا الحياة بشراهة، متحديًا فكرته الخاصة عن الأدب، الذي يخلق عوالمَ موازية تمنح القارئ فرصة عيش حيوات عدة دون خوض غمارها حقًّا. خاض التجارب، وتذوّق الحياة بكل مرارتها وحلاوتها، وربما هذا يفسّر كرهه الذي أظهره دائمًا لمقولة بورخيس: «عشتُ قليلًا، وقرأتُ كثيرًا»، مفضّلًا أن يعيش الأمرين معًا.

أحب يوسا الأضواء وسعى إليها، ويؤكّد: «تزعجني النخبويّة الخفيّة التي تحثّ بعض الكتّاب على النفور من وسائل الإعلام.» وسطع نجمه في الحياة الاجتماعيّة، وتحوّلت حياته الشخصيّة إلى مادةٍ دسمة للصحافة، ويتابعها الجمهور الغربي بشغف، خاصّةً بعد انفصاله عن زوجته الثانية باتريسيا يوسا بعد خمسين عامًا من الزواج، ثم ارتباطه بعارضة الأزياء والإعلاميّة إيزابيل بريسلر (الزوجة السابقة للمغني الإسباني خوليو إيقليسياس، وأم ابنه المغني إنريكيه إيقليسياس)، وانتهاء علاقتهما عام 2022 بسبب غيرته، التي وصفتها إيزابيل فيما بعد بـ«غير المبرّرة».

كل هذه التفاصيل جعلته دائم الظهور في الصحف والمجلات. ومما يؤكد حضوره في الثقافة الشعبية، أن خبر وفاته وصل إلى البيروفيين عندما أعلنه أحد معلقي مباراة كرة قدم على الهواء مباشرة. كما وقف الجمهور دقيقة صمت على روحه في مباراة ريال مدريد وأرسنال الأخيرة، ضمن دوري أبطال أوربا. وقد حظيت وفاته باهتمامٍ واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، وتحول اسمه إلى «ترند» لأيام.

في أكتوبر 2023، ودّع يوسا عالم الأدب ومعجبيه في خاتمةٍ وضعها لروايته الأخيرة «أهديك صمتي». وقد شكّل الإعلان صدمة لجمهوره الذي اعتاد على غزارة إنتاجه، وهو الذي ردَّد دائمًا: «أتمنى أن يفاجئني الموت وأنا أكتب، وكأنه حادثة.» تبدو الرواية وصيّةً أخيرة يكتبها يوسا لأجل وطنه، تحكي عن «توني أزبيلكوتيا»، شخصية تشبه «دون كيخوته»، حالم بيوتوبيا توحد بلده بيرو، وتزيح عنه العنصرية والتمزّق، وذلك بفضل الذاكرة الشعبية وموسيقا الكريول والرقصات الشعبية، مثل الفالس البيروفي والمارينيرا.

الفالس البيروفي والمارينيرا.

بعد صدور الرواية بشهرين، قرّر يوسا التوقف عن كتابة عموده النصف الشهري «أحجار الاختبار» (Piedras De Toque)، الذي دأب على نشره بانتظام في صحيفة الباييس (El País) الإسبانية منذ عام 1990، منهيًّا بذلك مسيرة إبداعيّة استمرّت عقودًا.

قرار يوسا بالابتعاد عن الأضواء جاء نتيجة تدهور صحته، بعد إصابته مرتين بفيروس كورونا، مما دفعه إلى العودة إلى ليما للاستراحة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، في نوستالجيا أعادت ذاكرته إلى بلده بعد سفر طويل، لافظًا أنفاسه الأخيرة بسبب مضاعفات ذات الرئة، محاطًا بأسرته، كما أكد صديقه المقرب المحامي إنريكي قيرسي.

يوسا والكتابة

حصل يوسا على جائزة نوبل للآداب عام 2010، على مجمل أعماله الأدبيَّة، وأشادت به الأكاديميّة السويدية في حيثيات منحها الجائزة بقولها: «خرائط هياكل القوة التي رسمتها أعماله، وتصويره النيّر لمقاومة الفرد وثورته وهزيمته.» وكان يوسا بذلك آخر كاتب ناطق بالإسبانية يفوز بهذه الجائزة المرموقة حتى اللحظة. ويُعدّ يوسا عضوًا فعّالًا في الأكاديمية الإسبانية، كما حصل على عدة جوائز إسبانيّة مهمة، مثل جائزة أمير أستورياس للآداب 1986.

كان يوسا يحمل حبًّا خاصًّا للأدب الفرنسي؛ حيث تأثر عميقًا بكُتّابه الكلاسيكيين، أمثال هوقو وبلزاك، وفلوبير على وجه الخصوص. وكان لجان بول سارتر تأثير واضح في فكره الأدبي في بداياته، لا سيما ما يتعلق بمفهوم «الأدب الملتزم». كما أخذ عن أندريه مالرو براعة وصف المشاهد الجماعية في عمله الأشهر «الظرف الإنساني»؛ وكلها تأثيرات ظهرت جليًّا في عمله البكر «مدينة الكلاب».

وفي موقف أثار الجدل، اعترف يوسا عام 2020، في جريدة الباييس ببغضه لعمل بروست «البحث عن الزمن المفقود»، معبّرًا عن اشمئزازه من جمله الطويلة وعالمه «المحدود والمغرور». بل ذهب إلى حدِّ القول إنه لو كان محررًّا في دار قاليمار زمن بروست، لرفض مخطوطة كتابه، مقلدًّا بذلك موقف أندريه جيد، الذي ندم لاحقًا على رفضه العمل. وقد أثار هذا التصريح سخط محبي بروست، وسخروا من يوسا، واصفين إياه بــ«الكاتب المفرنس»، في إشارة إلى تناقض موقفه مع تأثره الواضح بالأدب الفرنسي.

بادلته فرنسا هذا الحب، ومنحته مقعدًا خالدًا في الأكاديمية الفرنسية، حيث جلس على الكرسي الثامن عشر، خَلَفًا للفيلسوف ميشيل سير، محقّقًا بذلك سابقةً فريدةً، ليصبح أول كاتب ينال هذا الشرف دون أن يكتب بلغة موليير، رغم إجادته التحدث بها. كما تجاوزت الأكاديمية شرطها الصارم بخصوص السن، فقبلت ترشّحه وهو في الخامسة والثمانين من عمره، متجاوزةً الحد الأقصى الذي وضعته (75 عامًا)، للحفاظ على حيويّة المؤسسة وتجنب الوفيات المتعاقبة التي تعقّد عمليات الترشيح والقبول.

وبهذا، يكون يوسا أول فائز بجائزة نوبل يدخل الأكاديمية، بعد مرور أكثر من نصف قرن على رحيل الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك، الذي انتُخب عضوًا عام 1933، وفاز بنوبل في 1952. كما خصّته دار قاليمار المرموقة بنشر أعماله الكاملة ضمن سلسلتها النخبوية «البلياد»، التي تضم مختارات من عيون الأدب العالمي والفرنسي على وجه الخصوص.

في عام 1959، نشر ماريو فارقاس يوسا مجموعته القصصيّة الأولى بعنوان «الجِراء وقصص أخرى»، ولكنها لم تحظَ باهتمام كبير. أما نقطة التحوّل الحقيقية في حياته جاءت بروايته الثورية الأولى «زمن البطل»؛ وهو الاسم الإنقليزي الذي فضّله الناشر لروايته «المدينة والكلاب». وقد استوحى يوسا تفاصيلها من تجربته الشخصية في الأكاديمية العسكرية في ليما. وأثار العمل جدلًا واسعًا، واستفزّ الأوساط العسكرية البيروفية، إذ أحرقت السلطات العسكرية 1,000 نسخة من الرواية، ووصفها بعض الجنرالات بـ«الكتاب المُزوَّر» واتهموا يوسا بالشيوعيّة.

وبفضل هذا الجدل، حقّقت «زمن البطل» نجاحًا كبيرًا وسريعًا، ما جعل يوسا في طليعة ما يسمى بـ«البوم» الأدبي في أمريكا اللاتينية؛ وهي حركة أدبية ازدهرت في الستينيات والسبعينيات، وشملت كتّابًا بارزين، مثل قابرييل قارسيا ماركيز وكارلوس فوينتيس وخوليو كورتاثار وغيرهم. تميّزت هذه الحركة بالتجريب الأدبي، والاهتمام بالواقع الاجتماعي والسياسي في أمريكا اللاتينية، واستخدام تقنيات سردية جديدة، مثل الواقعية السحرية والتخييل التاريخي.

أصبحت أعمال يوسا جزءًا لا يتجزّأ من هذه الطفرة الأدبيّة، حيث واصل استكشاف القضايا الاجتماعية والسياسية في رواياته اللاحقة، مثل «البيت الأخضر» و«محادثة في الكاتدرائية». وقد تميّز أسلوبه الأدبي بالواقعية الشديدة، والاهتمام بالتفاصيل، واستخدام لغة غنية ومجازية، ثم انتقل إلى مجاله المفضّل: التّخييل التاريخي، في رواياتٍ خالدة مثل «حرب نهاية العالم» و«حلم السلتي» و«حفلة التيس».

يتميّز يوسا، إلى جانب براعته الروائية، وقدرته على فتح عوالم الدهشة لعشاق الأدب، بأنه قارئٌ نهم، وناقدٌ يشارك قراءاته وتحليلاته مع جمهوره، عبر مقالاته الصحفية وكتبه النقدية. ففي مؤلفات مثل «الحقيقة عبر الكذب»، يقدّم مراجعات عميقة لأعمال أدبيّة خالدة مثل «الدفتر الذهبي» لدوريس ليسنق، أو «المحراب» لوليام فوكنر، مُظهرًا فهمًا استثنائيًّا لأسرار السرد. أما في «العربدة الأبدية»، فيغوص في رائعة فلوبير «مدام بوفاري». بل لم يتردّد في دراسة أعمال غريمه الدائم، قابرييل قارسيا ماركيز، وتحليلها، وقد خصّص لروايته «مئة عام من العزلة» أطروحته لنيل الدكتوراه من جامعة مدريد للآداب.

ولا يقف يوسا عند حدود النقد، بل يمدُّ جسرًا للكُتّاب الشباب، عبر محاضراته ورسائله، المجموع بعضها في كتبٍ ثريّة مثل «الكاتب وواقعه»، وهو سيرة ذاتية أدبية ترسم الخطوط العريضة لنظرية الرواية. وهو يفعل كل ذلك دون الوقوع في اللغة الأكاديمية، حيث تتدفّق الأفكار بإيقاع سردي، يحيّد النبرة المهيبة لهذا النوع من النصوص، ويحيّد أيضًا خطر الملل. ونصادف الشيء ذاته في «رسالة إلى روائي شاب»، حيث تغلب لغة المرشد الأبويّة.

تعرّف القارئ العربي في وقت مبكّر على يوسا وأصحابه في حركة «البوم» اللاتينيّة، على عكس ما يحدث اليوم، حيث تتهافت دور النشر العربية على ترجمة أعمال الفائزين بالجوائز العالميّة، متجاهلةً الكثير من الأسماء التي تستحق الترجمة. ويعود الفضل في هذا التقديم إلى المترجم صالح علماني ودار المدى، إذ أسهما في ترجمة مجموعة متنوعة من أعمال يوسا، ما أتاح للقارئ العربيّ الاطلاع على أبرز رواياته، مثل: «حفلة التيس» و«قصة مايتا» و«شيطنات الطفلة الخبيثة» و«امتداح الخالة».

لم يكن يوسا مجرد روائيٍّ متفردٍ بأسلوبه وحنكته، بل كان نجمًا أدبيًّا وأيقونة ثقافية وعالمية. وعلى النقيض من الصورة النمطيّة للكاتب المنعزل في محرابه، عاش يوسا الحياة بشراهة، متحديًا فكرته الخاصة عن الأدب، الذي يخلق عوالمَ موازية تمنح القارئ فرصة عيش حيوات عدة دون خوض غمارها حقًّا. خاض التجارب، وتذوّق الحياة بكل مرارتها وحلاوتها، وربما هذا يفسّر كرهه الذي أظهره دائمًا لمقولة بورخيس: «عشتُ قليلًا، وقرأتُ كثيرًا»، مفضّلًا أن يعيش الأمرين معًا.

أحب يوسا الأضواء وسعى إليها، ويؤكّد: «تزعجني النخبويّة الخفيّة التي تحثّ بعض الكتّاب على النفور من وسائل الإعلام.» وسطع نجمه في الحياة الاجتماعيّة، وتحوّلت حياته الشخصيّة إلى مادةٍ دسمة للصحافة، ويتابعها الجمهور الغربي بشغف، خاصّةً بعد انفصاله عن زوجته الثانية باتريسيا يوسا بعد خمسين عامًا من الزواج، ثم ارتباطه بعارضة الأزياء والإعلاميّة إيزابيل بريسلر (الزوجة السابقة للمغني الإسباني خوليو إيقليسياس، وأم ابنه المغني إنريكيه إيقليسياس)، وانتهاء علاقتهما عام 2022 بسبب غيرته، التي وصفتها إيزابيل فيما بعد بـ«غير المبرّرة».

كل هذه التفاصيل جعلته دائم الظهور في الصحف والمجلات. ومما يؤكد حضوره في الثقافة الشعبية، أن خبر وفاته وصل إلى البيروفيين عندما أعلنه أحد معلقي مباراة كرة قدم على الهواء مباشرة. كما وقف الجمهور دقيقة صمت على روحه في مباراة ريال مدريد وأرسنال الأخيرة، ضمن دوري أبطال أوربا. وقد حظيت وفاته باهتمامٍ واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، وتحول اسمه إلى «ترند» لأيام.

في أكتوبر 2023، ودّع يوسا عالم الأدب ومعجبيه في خاتمةٍ وضعها لروايته الأخيرة «أهديك صمتي». وقد شكّل الإعلان صدمة لجمهوره الذي اعتاد على غزارة إنتاجه، وهو الذي ردَّد دائمًا: «أتمنى أن يفاجئني الموت وأنا أكتب، وكأنه حادثة.» تبدو الرواية وصيّةً أخيرة يكتبها يوسا لأجل وطنه، تحكي عن «توني أزبيلكوتيا»، شخصية تشبه «دون كيخوته»، حالم بيوتوبيا توحد بلده بيرو، وتزيح عنه العنصرية والتمزّق، وذلك بفضل الذاكرة الشعبية وموسيقا الكريول والرقصات الشعبية، مثل الفالس البيروفي والمارينيرا.

الفالس البيروفي والمارينيرا.

بعد صدور الرواية بشهرين، قرّر يوسا التوقف عن كتابة عموده النصف الشهري «أحجار الاختبار» (Piedras De Toque)، الذي دأب على نشره بانتظام في صحيفة الباييس (El País) الإسبانية منذ عام 1990، منهيًّا بذلك مسيرة إبداعيّة استمرّت عقودًا.

قرار يوسا بالابتعاد عن الأضواء جاء نتيجة تدهور صحته، بعد إصابته مرتين بفيروس كورونا، مما دفعه إلى العودة إلى ليما للاستراحة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، في نوستالجيا أعادت ذاكرته إلى بلده بعد سفر طويل، لافظًا أنفاسه الأخيرة بسبب مضاعفات ذات الرئة، محاطًا بأسرته، كما أكد صديقه المقرب المحامي إنريكي قيرسي.

يوسا والكتابة

حصل يوسا على جائزة نوبل للآداب عام 2010، على مجمل أعماله الأدبيَّة، وأشادت به الأكاديميّة السويدية في حيثيات منحها الجائزة بقولها: «خرائط هياكل القوة التي رسمتها أعماله، وتصويره النيّر لمقاومة الفرد وثورته وهزيمته.» وكان يوسا بذلك آخر كاتب ناطق بالإسبانية يفوز بهذه الجائزة المرموقة حتى اللحظة. ويُعدّ يوسا عضوًا فعّالًا في الأكاديمية الإسبانية، كما حصل على عدة جوائز إسبانيّة مهمة، مثل جائزة أمير أستورياس للآداب 1986.

كان يوسا يحمل حبًّا خاصًّا للأدب الفرنسي؛ حيث تأثر عميقًا بكُتّابه الكلاسيكيين، أمثال هوقو وبلزاك، وفلوبير على وجه الخصوص. وكان لجان بول سارتر تأثير واضح في فكره الأدبي في بداياته، لا سيما ما يتعلق بمفهوم «الأدب الملتزم». كما أخذ عن أندريه مالرو براعة وصف المشاهد الجماعية في عمله الأشهر «الظرف الإنساني»؛ وكلها تأثيرات ظهرت جليًّا في عمله البكر «مدينة الكلاب».

وفي موقف أثار الجدل، اعترف يوسا عام 2020، في جريدة الباييس ببغضه لعمل بروست «البحث عن الزمن المفقود»، معبّرًا عن اشمئزازه من جمله الطويلة وعالمه «المحدود والمغرور». بل ذهب إلى حدِّ القول إنه لو كان محررًّا في دار قاليمار زمن بروست، لرفض مخطوطة كتابه، مقلدًّا بذلك موقف أندريه جيد، الذي ندم لاحقًا على رفضه العمل. وقد أثار هذا التصريح سخط محبي بروست، وسخروا من يوسا، واصفين إياه بــ«الكاتب المفرنس»، في إشارة إلى تناقض موقفه مع تأثره الواضح بالأدب الفرنسي.

بادلته فرنسا هذا الحب، ومنحته مقعدًا خالدًا في الأكاديمية الفرنسية، حيث جلس على الكرسي الثامن عشر، خَلَفًا للفيلسوف ميشيل سير، محقّقًا بذلك سابقةً فريدةً، ليصبح أول كاتب ينال هذا الشرف دون أن يكتب بلغة موليير، رغم إجادته التحدث بها. كما تجاوزت الأكاديمية شرطها الصارم بخصوص السن، فقبلت ترشّحه وهو في الخامسة والثمانين من عمره، متجاوزةً الحد الأقصى الذي وضعته (75 عامًا)، للحفاظ على حيويّة المؤسسة وتجنب الوفيات المتعاقبة التي تعقّد عمليات الترشيح والقبول.

وبهذا، يكون يوسا أول فائز بجائزة نوبل يدخل الأكاديمية، بعد مرور أكثر من نصف قرن على رحيل الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك، الذي انتُخب عضوًا عام 1933، وفاز بنوبل في 1952. كما خصّته دار قاليمار المرموقة بنشر أعماله الكاملة ضمن سلسلتها النخبوية «البلياد»، التي تضم مختارات من عيون الأدب العالمي والفرنسي على وجه الخصوص.

في عام 1959، نشر ماريو فارقاس يوسا مجموعته القصصيّة الأولى بعنوان «الجِراء وقصص أخرى»، ولكنها لم تحظَ باهتمام كبير. أما نقطة التحوّل الحقيقية في حياته جاءت بروايته الثورية الأولى «زمن البطل»؛ وهو الاسم الإنقليزي الذي فضّله الناشر لروايته «المدينة والكلاب». وقد استوحى يوسا تفاصيلها من تجربته الشخصية في الأكاديمية العسكرية في ليما. وأثار العمل جدلًا واسعًا، واستفزّ الأوساط العسكرية البيروفية، إذ أحرقت السلطات العسكرية 1,000 نسخة من الرواية، ووصفها بعض الجنرالات بـ«الكتاب المُزوَّر» واتهموا يوسا بالشيوعيّة.

وبفضل هذا الجدل، حقّقت «زمن البطل» نجاحًا كبيرًا وسريعًا، ما جعل يوسا في طليعة ما يسمى بـ«البوم» الأدبي في أمريكا اللاتينية؛ وهي حركة أدبية ازدهرت في الستينيات والسبعينيات، وشملت كتّابًا بارزين، مثل قابرييل قارسيا ماركيز وكارلوس فوينتيس وخوليو كورتاثار وغيرهم. تميّزت هذه الحركة بالتجريب الأدبي، والاهتمام بالواقع الاجتماعي والسياسي في أمريكا اللاتينية، واستخدام تقنيات سردية جديدة، مثل الواقعية السحرية والتخييل التاريخي.

أصبحت أعمال يوسا جزءًا لا يتجزّأ من هذه الطفرة الأدبيّة، حيث واصل استكشاف القضايا الاجتماعية والسياسية في رواياته اللاحقة، مثل «البيت الأخضر» و«محادثة في الكاتدرائية». وقد تميّز أسلوبه الأدبي بالواقعية الشديدة، والاهتمام بالتفاصيل، واستخدام لغة غنية ومجازية، ثم انتقل إلى مجاله المفضّل: التّخييل التاريخي، في رواياتٍ خالدة مثل «حرب نهاية العالم» و«حلم السلتي» و«حفلة التيس».

يتميّز يوسا، إلى جانب براعته الروائية، وقدرته على فتح عوالم الدهشة لعشاق الأدب، بأنه قارئٌ نهم، وناقدٌ يشارك قراءاته وتحليلاته مع جمهوره، عبر مقالاته الصحفية وكتبه النقدية. ففي مؤلفات مثل «الحقيقة عبر الكذب»، يقدّم مراجعات عميقة لأعمال أدبيّة خالدة مثل «الدفتر الذهبي» لدوريس ليسنق، أو «المحراب» لوليام فوكنر، مُظهرًا فهمًا استثنائيًّا لأسرار السرد. أما في «العربدة الأبدية»، فيغوص في رائعة فلوبير «مدام بوفاري». بل لم يتردّد في دراسة أعمال غريمه الدائم، قابرييل قارسيا ماركيز، وتحليلها، وقد خصّص لروايته «مئة عام من العزلة» أطروحته لنيل الدكتوراه من جامعة مدريد للآداب.

ولا يقف يوسا عند حدود النقد، بل يمدُّ جسرًا للكُتّاب الشباب، عبر محاضراته ورسائله، المجموع بعضها في كتبٍ ثريّة مثل «الكاتب وواقعه»، وهو سيرة ذاتية أدبية ترسم الخطوط العريضة لنظرية الرواية. وهو يفعل كل ذلك دون الوقوع في اللغة الأكاديمية، حيث تتدفّق الأفكار بإيقاع سردي، يحيّد النبرة المهيبة لهذا النوع من النصوص، ويحيّد أيضًا خطر الملل. ونصادف الشيء ذاته في «رسالة إلى روائي شاب»، حيث تغلب لغة المرشد الأبويّة.

تعرّف القارئ العربي في وقت مبكّر على يوسا وأصحابه في حركة «البوم» اللاتينيّة، على عكس ما يحدث اليوم، حيث تتهافت دور النشر العربية على ترجمة أعمال الفائزين بالجوائز العالميّة، متجاهلةً الكثير من الأسماء التي تستحق الترجمة. ويعود الفضل في هذا التقديم إلى المترجم صالح علماني ودار المدى، إذ أسهما في ترجمة مجموعة متنوعة من أعمال يوسا، ما أتاح للقارئ العربيّ الاطلاع على أبرز رواياته، مثل: «حفلة التيس» و«قصة مايتا» و«شيطنات الطفلة الخبيثة» و«امتداح الخالة».

اتصل بنا

إن كنت في حيرة من أمرك حول خطوة مشروعك القادمة، سنقدم لك خدمة استشارة مجانية!

نحن بانتظار تواصلك معنا.

العنوان

العراق - بغداد

المنصور - شارع الاميرات

البريد الإلكتروني

اتصل بنا

إن كنت في حيرة من أمرك حول خطوة مشروعك القادمة، سنقدم لك خدمة استشارة مجانية!

نحن بانتظار تواصلك معنا.

العنوان

العراق - بغداد

المنصور - شارع الاميرات

البريد الإلكتروني

اتصل بنا

إن كنت في حيرة من أمرك حول خطوة مشروعك القادمة، سنقدم لك خدمة استشارة مجانية!

نحن بانتظار تواصلك معنا.

العنوان

العراق - بغداد

المنصور - شارع الاميرات

البريد الإلكتروني

  • فأنكم خير ما اجادت به الصدف
    إن كان في صدف الأزمان رائعةٌ
  • فأنكم خير ما اجادت به الصدف
    إن كان في صدف الأزمان رائعةٌ
انطلقنا مع عملائنا نحو أحلامهم خلال السنوات العشر الماضية، حققنا فيها نجاحات وكتبنا معهم قصصاً ملهمة، نعدها وقودا أبدياً للاستمرار بالرحلة!
انضم إلينا، فقد حان وقتك لنروي قصتك..
SCROLL UP . SCROLL UP . SCROLL UP .

قافية الإبداعية

جميع الحقوق محفوظة © 2014-2025 وكالة قافية الإبداعية - العراق

انطلقنا مع عملائنا نحو أحلامهم خلال السنوات العشر الماضية، حققنا فيها نجاحات وكتبنا معهم قصصاً ملهمة، نعدها وقودا أبدياً للاستمرار بالرحلة!
انضم إلينا، فقد حان وقتك لنروي قصتك..
SCROLL UP . SCROLL UP . SCROLL UP .

قافية الإبداعية

جميع الحقوق محفوظة © 2014-2025 وكالة قافية الإبداعية - العراق

انطلقنا مع عملائنا نحو أحلامهم خلال السنوات العشر الماضية، حققنا فيها نجاحات وكتبنا معهم قصصاً ملهمة، نعدها وقودا أبدياً للاستمرار بالرحلة!
انضم إلينا، فقد حان وقتك لنروي قصتك..

الرئيسية

من نحن

قصص الإلهام

الوظائف

تواصل معنا

المدونة

فيسبوك

استغرام

بيهانس

قافية الإبداعية

جميع الحقوق محفوظة ©

2014-2024 وكالة قافية الإبداعية - العراق